ابو البركات
330
الكتاب المعتبر في الحكمة
إذا كان لا يدركها الا في وقت الوصول الذي هو الحصول في الموضع دون الجهة وطريقها فكيف يدرك جهاتها فان ظن أن الجهة المقابلة لموضع ما من التجويف تتوجه منها الحركة قارعة لذلك الموضع بشدتها حتى تكون الأمواج المتأدية من فوق تقرع ما يحاذيها من الاجزاء السفلية من تجويف العصبة والأصوات المتأدية من الجهة السفلى يشتد قرعها للاجزاء العليا منه والتي من جهة القدام للتي خلف والتي من جهة الخلف للتي من قدام كذلك على المقابلة لكل جهة . فنقول ان الامر ليس كذلك لان المصوت قد يكون من الجهة اليمنى ويسد الأذن التي تليه فيسمع صوته بالأذن اليسرى ويشعر بمقامه وانه من الجهة اليمنى وسبيل الأذن اليمنى مسدود ولا يدخل التمويج إلى الأذن اليسرى الا بعد ان ينعطف قبل دخوله إليها كدخول الواصل من الجهة اليسرى ويفرق السامع بينهما في تلك الحال فليس ادراك الجهة بمقابلة قرع الصماخ كما قيل - فان ظن أن البعد والقرب يتم ادراكهما والتمييز بينهما بكون الأثر الحادث عن القرع عن قرب أقوى وعن بعد أضعف فليس كذلك لأنه لو كان لقد كنا إذا سمعنا الصوتين المتساويى البعد المختلفين بالقوة والضعف نظن أن أحدهما قريب والآخر بعيد ويشتبه علينا القرب والبعد بالقوة والضعف أو بالعكس خصوصا في المصوتات الغائبة عن حس بصرنا وليس الامر كذلك لأنا نميز بسمعنا ونفرق بمعرفتنا بين ضعيف من الأصوات قريب وبين قوى منها بعيد فليس ادراكنا للجهة والبعد لما قالوه - بل أقول ان القوة المدركة للصوت لو كانت انما تدرك منه ما لاقى سطح العصبة المفروشة في الصماخ وحين تلاقيها لم يكن البتة عندها فرق بين الأصوات المختلفة الجهات لأنها من حيث اتت تدخل بحركتها إلى تجويف الصماخ فتدركها هناك كما تدرك اليد بلمسها ما تلقاه ولا تشعر به من جهة اللمس إلا حين تلمسه وحيث تلمسه ولا تفرق اليد اللامسة عند لقاء الملموس الوارد عليها بين وروده من ابعد بعد أو من أقرب قرب لان ذلك انما يدركه اللامس ببصره